محمد متولي الشعراوي

1576

تفسير الشعراوى

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) معنى « تولى » هي مقابل « أقبل » . و « أقبل » تعنى أنه جاء بوجهه عليك . و « تولى » أعرض كما نقول نحن في تعبيراتنا الشائعة : « أعطاني ظهره » . ومعنى هذا أنه لم يأبه لي ، ولم يقبل على . إذن فالمراد من أخذ العهد أن يقبل الناس على ذلك الدين ، فالذي يعرض ويعطى الإيمان الجديد ظهره يتوعده اللّه ويصفه بقوله : « فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » بعد ماذا ؟ إنه التولي بعد أخذ العهد والميثاق على النبيين ، وشهادة الأمم بعضها على بعضها ، وشهادة اللّه على الجميع ، إذن فلا عذر لأحد . فمن أعطى ظهره للنبي الجديد ، فماذا يكون وعيد اللّه له ؟ إن الحق يصفهم بقوله : « فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » أي أن الوعيد هو أن اللّه يحاسبه حساب الفاسقين ، والفسق - كما نعلم - هو الخروج عن منهج الطاعة . والمعاني - كما تعرف - أخذت وضعها من المحسوسات . لأن الأصل في الوعي البشرى هو الشئ المحس أولا ، ثم تأتى المعنويات لتأخذ من ألفاظ المحسوسات . والفسق في أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها ؛ فالبلح حين يرطب ، يكون حجم كل ثمرة قد تناقص عن قشرتها . وحينما يتناقص الحجم الطبيعي عن القشرة تصبح القشرة فضفاضة عليه ، وتصبح أي حركة عليه هي فرصة لانفلات الرطبة من قشرتها . ويقال : « فسقت الرطبة » أي خرجت عن قشرتها . وأخذ الدين هذا التعبير وجعله وصفا لمن يخرج عن منهج اللّه ، فكأن منهج اللّه يحيط بالإنسان في كل تصرفاته ، فإذا ما خرج الإنسان عن منهج اللّه ، كان مثل الرطبة التي خرجت عن قشرتها . ونحن أمام فسق من نوع أكبر ، فهناك فسق صغير ، وهناك فسق كبير . وهنا